محمد العربي الخطابي
314
الأغذية والأدوية عند مؤلفي الغرب الإسلامي
الأجزاء بالأعداد هنا عوضا من الأجزاء فلا فرق بين قولهم أعداد وبين قولهم أجزاء - إن شاء اللّه . ولو أمكن لنا أن نداوي جميع ما يحدث في البدن من أصناف العلل بأدوية مفردة لم نحتج البتّة في كلّ وقت من الأوقات إلى دواء مركّب ، لكن الضرورة تبعثنا على ذلك لأنه قد يخرج البدن المعتدل عن الاعتدال بأعداد ما ونعدم دواء مفردا في تلك الأعداد فتدعو الضرورة إلى تركيب دواء من عدّة أدوية مفردة حتى يقاوم المرض - أعني حتى يقاوم تلك الأعداد التي يخرج إليها البدن المعتدل . مثال ذلك : أنّ البدن المعتدل إذا خرج عن الاعتدال بأربعة أجزاء إلى الحرّ فالأمر واضح أنّا نحتاج أن يكون الدواء الذي نداوي به هذا المرض قد خرج عن الاعتدال إلى البرد بأربعة أعداد ، فإن لم نقدر على دواء مفرد يكون تبريده بهذا المقدار ووجدنا دواءين أحدهما في ثلاثة أعداد من البرد والثاني من خمسة أعداد من البرد خلطناهما جميعا ، فذلك ما أردنا وجدانه ، والمطلوب في نصف هذا التركيب وهو الشّربة منه لهذه العلّة ، وكذلك يجب أن يفعل في الأعداد الباقية . وفي الأدوية المفردة أدوية كثيرة لا يمكن أن تستعمل دون أن تخلط بأدوية غيرها لدفع غائلتها وضررها مثل خلطنا بالسقمونيا الأنيسون والدوقو أو بعض الأصماغ كي لا يضرّ بالمعدة والكبد ، ومثل خلطنا بشحم الحنظل الكثير من الصمغ العربي كي لا يسحج الأمعاء ، ومثل لتّنا الأفيون بدهن اللوز ليلّا يورث غما وعطشا ، ومثل لتّنا التّربد بدهن اللوز ليحجبه عن فساد المعدة والأمعاء ، وقد يخلط به أيضا المقل ليلّا يضرّ بالأمعاء ، ومثل خلطنا المصطكي مع الصّبر ليحجبه عن ضرر المعدة ، وقد يخلط به أيضا المقل ليلّا يضرّ بالسّفل ، وقد يغسل بالأفاويه ليدفع ضرره عن هذين العضوين ونحو ذلك ، وقد يخلط مع الأدوية البشعة الكريهة أدوية طيّبة كي يسهل على الإنسان شربها وتقوى المعدة على ضبطها وتثبت فيها حتى تفعل جميع أفعالها ، لأنّ كثيرا من الأدوية التي تشرب تبلغ من بشاعتها وكراهية طعمها أن تكون ساعة تشرب يعتري شاربها الغثيان حتى يتقيأ في ذلك الوقت دون أن تمكث ، وربّما مكث بعضها مدة لا ينتفع بها فيجب لذلك أن يخلط بأدوية تمنع من هذه الآفات كلّها لأن ما كان من الأدوية يلذّ لشاربها وتقبلها المعدة كان فعلها أحسن وأخفّ على الطبائع ، وما كان على خلاف ذلك فبالضدّ .